محمد غازي عرابي

698

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

المحمدي نذيرا للناس ، أي أن الخاطر الإلهي الداعي إلى التوحيد هو بذاته النور المحمدي يفعل في الكثرة وبالكثرة بإذن اللّه وأمره . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 53 ] وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) [ الفرقان : 53 ] الوجود وجودان روحي ومادي ، والوجود الروحي الأساس والأصل وباطن الوجود المادي مثلما أن باطن الأرض تلك الحمم السائلة الخارجة من فوهات البراكين والتي هي أساس تكوين الأرض ، وهذا الوجود هو المسمى في الآية ملح أجاج ، ومعلوم أن البحار هي جميعا أجاج وأنها أساس لمياه الأرض العذبة ، ولولا البحار ما تشكلت السحب ولا سيقت ولا تساقطت ثلجا ومطرا ، ولما تكونت بالتالي أحواض المياه الجوفية ، ولما تفجرت الينابيع والأنهار ، فالروح أساس الحياة ، وهذا هو حجر الأساس في بناء فلسفة هيغل كلها . والبرزخ هو العالم الفاصل بين الروح والمادة ، فهو الجسر والطريق من هنا إلى هناك ، ولما كانت المعقولات هي الجسر بين النور والمادة كان البرزخ عالم المعقولات الصرفة المسماة الأسماء الإلهية الحسنى ، وكان آدم ملك هذا العالم باعتبار أن آدم عالم هذه المعقولات ، وعليه فللإنسان الآدمي عالم البرزخ . . . نقول الآدمي لأنه لا يصح أن نطلق هذه التسمية إلا على الفريق من الناس الذين علموا الأسماء الإلهية كما علمها من قبل أبوهم آدم ، وهؤلاء هم ممثلو الإنسان الكامل الوارد ذكره في الفلسفة الصوفية . ولما كان أكثر الناس جاهلين كانوا في حجر محجورين أي مستورين لا يعلمون عن حقيقة عالم البرزخ شيئا ، وسيد علماء البرزخ في الزمن القديم أفلاطون صاحب نظرية المثل الشهيرة الذي كان موحدا دعا الناس إلى الانصراف عن عالم الحس للتفكير في عالم المثل والمعقولات لمعرفة حقيقة هذا العالم . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 54 إلى 57 ] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 57 ) [ الفرقان : 54 ، 57 ] قلنا الماء النفس الكلية ، وقد خلق اللّه منها البشر ، والنفس الكلية ليست حقيقة الإنسان وباطنه فحسب بل هي حقيقة الوجود كله وباطنه ، قال سبحانه : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [ الأنعام : 38 ] ، ولقد علم سليمان منطق الطير وفهم لغة النمل لما حذرت نملة أخواتها سليمان وجنوده ، فما من شيء إلا ويسبح بحمده ، ولما كانت